اخر الاخبار

09‏/02‏/2012

سيناريو المستقبل القريب بقلم مصطفى الفقى

لقد أسرفنا فى الحديث عن الماضى، وربما نظل نكتب عنه فى سنوات مقبلة، لكن ذلك يجب ألا ينسينا الحاضر بما فيه والمستقبل بما يحمله، ولقد رأيت أن من واجبنا فى هذه المرحلة أن نفكر جميعًا ولو بصوت مرتفع فى المستقبل القريب والبعيد نرصد ما هو قادم ونستشرف أبعاد ما لا يزال فى ضمير الغيب، فالكل يتحدث عن «سيناريوهات» المستقبل، لكن من زاوية واحدة، ولم أقرأ كثيرًا لأولئك الذين يملكون الرؤية الشاملة تصورًا متكاملاً للمستقبل قريبه وبعيده، وسوف أركز فى هذه السطور القادمة على المستقبل القريب الذى لا يتجاوز نصف عام على الأكثر تاركًا لمقالات قادمة صياغة أفكارنا بل وطموحاتنا وأحلامنا على المدى الطويل، والآن دعونا نضع «سيناريو» الشهور الستة المقبلة فى النقاط التالية:
أولاً: لقد استكملنا السلطة التشريعية بانتخاب مجلسها الأهم وهو «مجلس الشعب»، وتصورنا وربما توهمنا أن ذلك سوف يؤدى إلى تخفيف حدة التوتر فى الشارع المصرى، وأن مجلس الشعب سوف يحل بديلاً للتظاهر فى «ميدان التحرير»، لكن يبدو أن المسألة أكبر من ذلك بكثير، فالحزن الذى يلف الوطن يصاحبه غموض يسيطر على الأجواء، الملفات كلها مفتوحة لم يغلق واحد منها بشكل طبيعى يحترم الحقيقة، ويقدر مشاعر الناس، ولقد أصبح «الفاعل الخفى» هو المتهم المجهول فى كل الأحداث، وانفرط عقد الثقة بين المجلس العسكرى وملايين المصريين، وأصبح هناك حديث دائم عن مؤامرات محكمة تقف وراءها عناصر لا تزال صاحبة المصلحة فى إيقاف مد الثورة، واستعادة الأوضاع القديمة، ولعل ما حدث فى كرة القدم فى «استاد بورسعيد» هو خير شاهد على ذلك، وهناك من يرى- وقد يكون مخطئا- أن «سيناريو الفوضى» يجمد الأوضاع على ما هى عليه ويسمح بالإبقاء على شكل الحكم الحالى ويحيله من مؤقت إلى دائم، وقد يكون فى هذا التفسير ظلم بيِّن وافتراء كبير على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجهاز الحكم فى البلاد.

ثانيًا: إذا كان الشارع المصرى قد عبر عن إرادته بكل حرية فى الانتخابات الأخيرة، فلماذا نرى تعارضًا بين ذلك الشارع وردود الفعل الحالية؟ إن ذلك يعنى ببساطة أنه لا يوجد قبول عام بأسلوب إدارة المرحلة الانتقالية، والكثيرون يشعرون بأن هناك محاولة التفاف على الثورة وأفكارها، إلى جانب ردود فعل متباينة من القوى السياسية المختلفة بحيث لا يوجد إجماع ما، ولا حتى توافق حول شأن من شؤون الحياة الداخلية والخارجية بمصر، ونحن ندرك أن المرحلة التى تمر بها مصر بعد الثورة قد عرفتها دول كثيرة مرت بنفس الظروف، لكن الفارق أن الدول الأخرى كانت لديها رؤية واضحة وأهداف محددة وغايات متفق عليها، بينما الوضع لدينا يعبر عن حالة من الانقسام المستمر والفوضى التى لا تتوقف بحيث نخرج من أزمة إلى أخرى، بل ننتقل منها أحيانا إلى مأساة أو كارثة، ونحن نرى أن المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الإفصاح عن النوايا، وإيضاح الصورة أمام المواطن العادى، فنحن نستمع كل يوم إلى عشرات التأويلات والتفسيرات، فضلا عن الشائعات. إننا نريد درجة عالية من الشفافية فى هذه المرحلة التى تتسم بالغموض والاضطراب والضبابية.

ثالثًا: إن الاتفاق على من يصوغ الدستور الدائم لمصر هو أمر حيوى، ومع ذلك نختلف فى الحديث حول هذه الوثيقة المهمة التى يجب أن تحظى بالاهتمام الذى تستحقه وبالاحترام المرتبط بها ولنتذكر أن لجنة إعداد دستور ١٩٢٣ كانت تضم كل أطياف المجتمع وممثلى رجال الأديان السماوية الثلاثة، حتى كان فيها «حاخام» اليهود المصريين، فأين نحن من ذلك الانفتاح الذى يلزمنا بأن تضم تلك اللجنة التأسيسية كل القوى السياسية فى المجتمع وفى مقدمتها ممثلو الأمة من أعضاء البرلمان، وكذلك المتخصصون من كل قطاعات الحياة لأن هناك من يتصور أن إعداد الدستور مقصور على القانونيين وحدهم، وهذا قول غير دقيق، فالقانونيون وأساتذة «الدستورى» يتولون الصياغة النهائية فقط، لكن الأعمال التحضيرية تحتوى كل التخصصات، ففيها علماء وأدباء وفنانون وعمال وفلاحون ومسلمون وأقباط ونساء وشباب، إن فيها صورة مصغرة من مصر التى تنزف دما بعد ثورة مجيدة لأسباب غير معروفة، كما أن الإسراع بانتخاب رئيس مدنى جديد مع استكمال هياكل الدولة ومفاصلها الإدارية هو مطلب وطنى عاجل مع ضرورة التوقف عن الحديث حول أيهما الأسبق الدستور أم الرئيس؟

وفى ظنى أنهما معا يمكن أن يأتيا فى وقت واحد، وأن يتواكب وجودهما معا، ولا يوجد مانع دستورى أو قانونى يحول دون ذلك كما أن مواجهة الأزمة الاقتصادية القادمة التى بدأت تطل بمقدماتها هى مسألة مهمة، فالاقتصاد عصب الحياة وهو الذى يتيح الوظائف للشباب، ويضرب البطالة، ويقتل اليأس، ويفتح أبواب الأمل، إن هذا هو الطريق ولا طريق سواه.

تلك هى تصورات «سيناريو» المستقبل القريب بدلا من ذلك الضجيج الإعلامى، الذى يمزق المجتمع والتصريحات غير المسؤولة التى تأجج الصراع، والمواقف المتسرعة التى تشعل الفتنة.. ولنتذكر جميعًا أن مصر لا تستحق ذلك، وأنه لا خلاف بين الثورة والدولة، ولن تنجح انتفاضة الشعب المصرى إلا فى إطار دولة قوية عصرية وحديثة ترفض الاستبداد وتقاوم الفساد، وتسعى بجدية نحو عصر النهضة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق